ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )

15

حجة الله البالغة

والسر فِي مُخَالفَته الظّهْر وَالْعصر أَن النَّهَار مَظَنَّة الصخب واللغط فِي الْأَسْوَاق والدور ، وَأما غَيرهمَا فوقت هدوء الْأَصْوَات والجهر أقرب إِلَى تذكر الْقَوْم واتعاظهم . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . إِذا أَمن الإِمَام ، فَأمنُوا ، فَإِن من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه " . أَقُول : الْمَلَائِكَة يحْضرُون الذّكر رَغْبَة مِنْهُم فِيهِ ، ويؤمنون على أدعيتهم لأجل مَا يترشح عَلَيْهِم من الْمَلأ الْأَعْلَى ، وَفِيه إِظْهَار التأسي بِالْإِمَامِ وَإِقَامَة لسنة الاقتداء . وَرويت إسكاتتان : إسكاتة بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة ليتحرم الْقَوْم بأجمعهم فِيمَا بَين ذَلِك ، فيقبلوا على اسْتِمَاع الْقِرَاءَة بعزيمة ، وإسكاتة بَين قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَالسورَة ، قيل : ليتيسر لَهُم الْقِرَاءَة من غير تشويش وَترك إنصات . أَقُول : الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن لَيْسَ بِصَرِيح فِي الإسكاتة الَّتِي يَفْعَلهَا الإِمَام لقِرَاءَة الْمَأْمُومين ، فَإِن الظَّاهِر أَنَّهَا للتلفظ بآمين عِنْد من يسر بهَا ، أَو سكتة لَطِيفَة تميز بَين الْفَاتِحَة وآمين لِئَلَّا يشْتَبه غير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ ، عِنْد من يجْهر بهَا أَو سكتة لَطِيفَة ليرد إِلَى الْقَارئ نَفسه وعَلى التنزل فاستغراب الْقرن الأول إِيَّاهَا يدل على أَنَّهَا لَيست سنة مُسْتَقِرَّة وَلَا مِمَّا عمل بِهِ الْجُمْهُور وَالله أعلم . وَيقْرَأ فِي الْفجْر سِتِّينَ آيَة إِلَى مائَة تداركا لقلَّة ركعاته بطول قِرَاءَته ، وَلِأَن رين الأشغال المعاشية لم يستحكم بعد ، فيغتنم الفرصة لتدبر الْقُرْآن . وَفِي الْعشَاء : { سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى } { وَاللَّيْل إِذا يغشى } وَمثلهَا ، وقصة معَاذ - وَمَا كره النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تنقير الْقَوْم - مَشْهُورَة . وَحمل الظّهْر على الْفجْر ، وَالْعصر على الْعشَاء فِي بعض الرِّوَايَات ، وَالظّهْر على الْعشَاء وَالْعصر على الْمغرب فِي بَعْضهَا . وَفِي الْمغرب بقصار الْمفصل لضيق الْوَقْت ، وَكَانَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطول ، ويخفف على مَا يرى من الْمصلحَة الْخَاصَّة بِالْوَقْتِ ، وَإِنَّمَا أَمر النَّاس بِالتَّخْفِيفِ فَإِن فيهم الضَّعِيف . وَفِيهِمْ السقيم . وَفِيهِمْ ذَا الْحَاجة وَقد اخْتَار رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعض السُّور فِي بعض الصَّلَوَات لفوائد من غير حتم ، وَلَا طلب مُؤَكد ؛ فَمن اتبع فقد أحسن ، وَمن لَا فَلَا حرج .